ابن ميثم البحراني

400

شرح نهج البلاغة

وقوله : حيارى في زلزال من الأمر وبلاء من الجهل . أي لا يهتدون لجهلهم إلى مصالحهم فهو منشأ اضطراب أمورهم وبلائهم بالغارات وسبى بعضهم بعضا وقتلهم . وقوله : فبالغ . إلى آخره . مضيّة على الطريقة سلوكه لسبيل اللَّه من غير انحراف ، ودعوته إلى الحكمة والموعظة هي دعوته إلى سبيل اللَّه بهما امتثالا لقوله تعالى « ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ » ( 1 ) فالدعوة بالحكمة الدعوة بالبرهان ، وبالموعظة الدعوة بالخطابة ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في المقدّمات . واللَّه ولىّ التوفيق . 93 - ومن خطبة له عليه السّلام الْحَمْدُ لِلَّهِ الأَوَّلِ فَلَا شَيْءَ قَبْلَهُ - والآخِرِ فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ - والظَّاهِرِ فَلَا شَيْءَ فَوْقَهُ - والْبَاطِنِ فَلَا شَيْءَ دُونَهُ أقول : أثنى على اللَّه سبحانه باعتبارات أربعة : الأوّليّة والآخريّة والظاهريّة والباطنيّة ، وأكَّد كلّ واحد منها بكماله فكمال الأوّليّة بسلب قبليّة شيء عنه ، وكمال الآخريّة بسلب بعديّة كلّ شيء له ، والظاهريّة بسلب فوقيّة شيء له ، والباطنيّة بسلب شيء دونه . والمراد بالظاهر هنا العالي فلذلك حسن تأكيده بسلب فوقيّة الغير له ، وبالباطن الَّذي بطن خفيّات الأمور علما وهو بهذا الاعتبار أقرب الأشياء إليها فلذلك حسن تأكيده بسلب ما هو دونه : أي ما هو أقرب إليها منه وحصلت حينئذ المقابلة بين الداني والعالي ، ويحتمل أن يريد بالظاهر البيّن ويكون معنى قوله : فلا شيء فوقه : أي لا شيء يوازي وجوده ويحجبه عن معرفة خلقه به . وبالباطن الخفيّ ومعنى فلا شيء دونه : أي في الخفاء ، وقد سبق بيان هذه الاعتبارات الأربعة غير مرّة .

--> ( 1 ) 16 - 126 .